هل تنصف محكمة الاستئناف بالرشيدية بريئا أدانته ابتدائية المدينة؟

هل تنصف محكمة الاستئناف بالرشيدية بريئا أدانته ابتدائية المدينة؟

عبد اللطيف قسطاني

تحدثنا في مقال سابق تحت عنوان: “ماذا يجري بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية” عن القضية التي كانت حينها تجري في ردهات المحكمة الابتدائية والتي تتعلق بقضية بدأت بشراكة عادية بين قريبين منع انتماء أحدهما إلى سلك الجيش من الإعلان عن الشراكة بشكل رسمي فوضع اسم والدته مكان اسمه في وثائق الشركة التي أصبح مسيرا لها بموجب وكالة من شريكه، الأمي الذي يتقن العمل في المقالع لكنه بعيد كل البعد عن إتقان المسائل الإدارية، مما فرض عليه تكليف شريكه العسكري بالتصرف الكامل نيابة عنه حتى في إصدار الشيكات وتسلم الأموال، بحكم انشغاله بالأعمال الميدانية للمقاولة، وأميته وعجزه عن تسيير مقاولته بسبب أميته.

سنوات الاشتغال معا والقرابة التي تجمع الشريكين جعلت الشريك الأول (صاحب المقاولة) يثق في شريكه ثقة عمياء، جعلته يصم آذانه حتى عن بعض الوشوشات التي طالما نبهته للخيانة التي يتعرض لها.

وبعد دخول شريك ثالث اندلعت المشاكل خصوصا بعض الشكوك التي بدأت تراود صاحب المقاولة الذي أصر على توظيف محاسب لتوضيح ما التبس من الأمور بين الشركاء، لتتطور الأمور بعد ذلك إلى اتهامه لشريكيه بسرقة معدات شركة أخرى في ملكيته وخيانة الأمانة والتزوير، بعد أن اكتشف سرقة معدات بالملايين من مخزن شركته بشهادة الحارس الذي لم يقو على مجابهتهم بعد أن هاجموه وتعرف عليهم وذكرهم بأسمائهم في شكاية وضعها باسمه ضدهم لدى النيابة العامة.

واتهمهما أيضا بالتواطؤ لسرقة ورقة من دفتر الشيكات الخاص بالمقاولة من طرف قريبه الجندي وتعبئته بمبلغ 290 مليون سنتيم وتسليمه لشريكهم الجديد، علما أن التاريخ المدون على الشيك هو 20/04/2016، في الوقت الذي أثبتت المستندات البنكية أن دفتر الشيكات الذي سحب منه هذا الشيك لم يصدر بعد في ذلك التاريخ، ولم يصدر إلا قرابة شهر بعد ذلك     يوم 12/05/2016، ولا تفسير في اعتقادنا لهذه الواقعة إلا النية المبيتة لإنزال الأذى بصاحب الحساب، رغم إصرار الشريك العسكري على أنه دون التاريخ المذكور خطأ!! فهل يعترف القانون بهذا الخطأ؟ أم يعترف فقط بالوثائق والإثباتات؟

وإذا كان التاريخ المدون يدين، في اعتقادنا على الأقل، الشريك العسكري لسببين، أولهما هو ما ذكرناه أعلاه من إصدار الشيك بتاريخ لم يصدر فيه دفتر الشيكات بعد، وثانيهما أن شكاية صاحب المقاولة التي يتهم فيها العسكري وشريكه بسرقة الشيك كانت سابقة للشكاية التي وضعاها ضده بتهمة إصدار شيك بدون رصيد، فأمور كثيرة تحتاج للمزيد من التوضيح، فما الذي جعلهما يصبران أزيد من ستة شهور منذ تاريخ إصدار الشيك قبل إيداعه بالبنك لاستخلاص مؤونته؟ وما الذي يجعلهما أيضا يصبران لأسبوعين على الأقل بعد تسلم شهادة عدم كفاية مؤونة الشيك من البنك قبل وضع شكايتهم أمام النيابة العامة؟ علما أن صاحب المقاولة وضع شكايته ضدهما في نفس اليوم الذي أودع فيه الشيك بوكالته البنكية.

أسئلة كثيرة وغيرها تحتاج لإجابات خصوصا أن الأمر في هذا الملف يتعلق بحساب بنكي خاص بمقاولة تتعامل بالوثائق، ولابد للمتصرف في الحساب أن يثبت مصاريفه ومداخيله، وفي حالتنا هذه فالشيك البنكي الذي صدر بقيمة 290 مليون سنتيم غير مبرر ولا وجود لأية وثيقة أو فاتورة تبرر صرف هذا الشيك، ألا يعتبر هذا خرقا سافرا للقوانين ولالتزامات الشريك العسكري تجاه شريكه الذي أوكله لينوب عنه في كل الإجراءات الإدارية المتعلقة بمقاولته؟ خصوصا أن المحكمة اطمأنت بالدلائل إلى أن العسكري كان فعلا يقوم مقام المحاسب للشركة ويتصرف فيها نيابة عن شريكه.

وبعد أن حكمت المحكمة الابتدائية على المقاول بسنة سجنا نافذا مع أداء 25 بالمائة من قيمة الشيك كغرامة، وعلى العسكري بستة أشهر سجنا نافذة، في حين برأت شريكهم الثالث من كل التهم المنسوبة إليه، وعللت أحكامها بتحميل مسؤولية إصدار الشيك بدون رصيد للمقاول رغم أن شريكه العسكري هو من أصدر الشيك ووقعه معتبرة أن هذا الأخير لم يتجاوز صلاحيات الوكالة الممنوحة له، وأن توفير مؤونة الشيك تبقى مسؤولية خالصة لصاحب الرصيد البنكي، لكنها مع ذلك أثبتت ضده تهمة خيانة الأمانة لأن اشتغاله كمحاسب للشركة، وهو ما أثبتته الدفاتر وشهادة الشهود، يوجب عليه الاطلاع على الرصيد البنكي للمقاولة قبل إصدار أي شيك حتى مع أوامر صاحب المقاولة.

مستجدات كثيرة عرفتها القضية بعد أن وصل ملفها إلى محكمة الاستئناف بالرشيدية، خصوصا بعد ظهور شيكات جديدة (نتوفر على نسخ منها) يدعي أصحابها أنهم تسلموها من الشريك الثاني (الجندي)، كضمانة وبمبالغ تتجاوز المبالغ المستحقة على المقاولة، تمكن صاحب المقاولة من الحصول على بعضها بعد أداء ما بذمته لأصحابها، في حين بقيت شيكات أخرى فضل أصحابها تأجيل المطالبة بأدائها لحين خروج صاحب المقاولة من السجن الذي يقبع به.

ومع أن القوانين الجاري بها العمل تمنع إصدار شيكات بدون رصيد كضمانة، فإن ثبوت إصدارها من قِبَلِ الشريك العسكري دون علم صاحب المقاولة يثبت سوء النية في حقه وخيانة الأمانة التي حمله إياها شريكه، ومن المفروض أن يقلب هذا المعطى ملف القضية رأسا على عقب، خصوصا أن المستندات البنكية لحساب المقاولة تثبت أيضا إجراء عمليات سحب من طرف العسكري لصالحه أحيانا ولصالح شريكهم الثالث أحيانا ولحساب شركة يمتلكها الشريك الثاني لا علاقة لها بمقاولتهم ولا بمجال اشتغالها.

وحتى لو اعتبرنا أن الأموال المسحوبة لصالح العسكري وشريكه مستحقة بموجب الشراكة التي تجمعهم فمن المفروض أن يتحصل صاحب المقاولة على نصيبه حسب نسبة الشراكة التي تجمعه بشركائه، وهو ما لم يحصل حسب المستندات البنكية وحسب الحالة الاجتماعية التي أضحى يعيشها، خصوصا بعد أن تحصل على قروض استهلاكية وهو المفترض فيه أنه يستثمر ملايين الدراهم.

لسنا في مقام إصدار الأحكام، ولا نملك الحق أصلا في ذلك، ولا نبحث من خلال مقالنا التأثير على أحد ولا الميل لجهة نحو أخرى، فاحترامنا لقضائنا وثقتنا فيه لا يعادلها إلا احترامنا لأنفسنا وللمهمة التي نؤديها، إنما دورنا تسليط الأضواء على ما خفي من زوايا الملف، ربما بذلك نساهم في إنقاذ بريء من براثن الظلم والجور.

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *