أمل مسعود تكتب: الحب في شوارع إسطنبول…

أمل مسعود تكتب: الحب في شوارع إسطنبول…

أمل مسعود

إسطنبول مدينة محتالة، لصة لذيذة، لن تحتضنك أو تضمك بقوة إلى عالمها المليء بالبهارات وببخور الشرق وجنون الغرب بدون أن تنتشل جزءا من أعماقك. متى زرتها، لن تعود كما أنت تماما ولن تستطيع في الآن ذاته أن تكون شيئا آخر. سترسلك إلى موطنك الأصلي تترنح كسكير سقط فوق برميل خمر ويريد أن يغرق أكثر فأكثر.

ستبدو لك عند أول وهلة مدينة محافظة وتقليدية. فأهلها لا يتحدثون مع الغرباء وإن كانوا يقدمون لهم فنجان الشاي التركي بأدب. كما أن أهلها يتسلون إلى حد الهوس بقراءة الكف والتنبؤ بمستقبلك من فنجان القهوة، ويخافون من العين والحسد فأضحت العين الزرقاء تجارة مربحة، فستجدها تزين مداخل منازل إسطنبول، وفي ردهات الفنادق، في المحلات، وفي المطاعم، وفي المقاهي، وفي القلادات والأساور، ستجدها بأشكال وأحجام مختلفة، وستدرك بأنها رمز إسطنبول، وبأنها تباع لأهل إسطنبول أكثر من السياح أنفسهم.

ولكن إسطنبول، خلف ثوب حشمتها ووقار ماضيها، ستقتلع جذورك من الأعماق كريح تمازح أوراق الخريف. وستجعل قلبك ينتشي بسكرات الحب ويفكر في هذه الكلمة السحرية القادرة وحدها على أن تبعثك من جديد. فلماذا سمي الحب حبا؟ ولماذا به حرفان فقط؟ ألأنه بالفعل قصير ولا يدوم طويلا؟ نعم، فالحب يتلاشى مع الزمن ككل الأشياء المادية وككل الثروات الباطنية التي تستنزف متى أساء الإنسان استخدامها أو بالغ في استخراجها. كعود ثقاب متى اشتعل سينطفئ، وكورقة نقود متى قمت بصرفها ستنتهي إلى بضع قطع نقدية سرعان ما ستفقد قيمتها في جيب حقيبتك، وكرشة عطر سيزول عبيره، سينتهي الحب متى انطلق أثره في قلبك وأصابتك أعراضه. سيبدأ بإحساس ستحار في وصفه مهما حاولت، بين ابتسامة على شفتيك ووميض في عينك كلما زار طيف الحبيب خيالك وكثيرا ما سيزوره، وبين لوم وعتاب وشك وحيرة وقنوط وحزن وفرح وحمى خفيفة ولهفة واشتياق للحبيب. ففي الحب، لا نريح ولا نستريح. وبين بئر الحب اللامادي ومادية المحبوب لن تهدأ أبدا، فكأن بين الحب والمحبوب فجوة تزداد اتساعا مع الوقت إلى أن ينفصل الحب عن المحبوب نهائيا.

فكيف يمكن أن تفسر ردة فعلك اتجاه المحبوب؟ وهو بعيد تشتاق إليه، وهو قريب تشتاق إليه، وهو بين أحضانك تشتاق إليه، ومع تلاقي العيون تشتاق، ومع تباعدها تشتاق، ومع لمسة اليد تشتاق، ومع الخصام تشتاق ومع الود تشتاق. فإلى من تشتاق بالضبط؟ ألحبيب آخر؟ ولماذا لا تهدأ في الحب؟

ستواصل قبل النوم وأثناءه وبعده نسج حكايات وتخيل أحاديث وتبادل الكلمات والانفعالات والمرح مع من تحب، ستتخيل حوارات تدور بينك وبينه، حول ما كنت تريد أن تفصح عنه هذا الصباح ولم تقدر، حول ما كنت تأمل أن يقوم به ولم يفعل، وحول ما يمكن أن يفعله مجنونان مثلكما بحياتهما معا؟

وسيأتي الصباح، ولن يحدث شيء على الإطلاق، ستتصرف بوقار لص يحاول أن يخفي آثار جريمته، جريمة الحب والخيال. وستتصرف بنقيض ما كنت تخطط له. وستستهزئ من هذين المجنونين الذين كنت تتخيلهما، وستتساءل لماذا نحن غارقان في التهذيب والملل والرتابة لحد الجمود والكآبة. ثم، وبعد أن يستنزفك الحب سينتهي فجأة كما بدأ وسيرحل. ستعتقد بأنك أنت من أردت أن تنهيه بعد سلسلة من الخيبات والهزمات المتتالية، ولكن في الحقيقة هو ينتهي لوحده كطاقة تحترق بعد الاستعمال.

ولهذا، ربما إذا أردت أن يسكن الحب قلبك إلى الأبد عليك أن تستهلكه قليلا على أرض الواقع. فالحب يتغذى بالخيال كما يتغذى العقل بالتفكير والمنطق. فخير من يجيد الحديث عن الحب هو من لم يحب أصلا. وخير من يعطي نصائح في الحب والغزل هو من لم يتعذب قلبه بداء العشق.

لا أدري لماذا إسطنبول أصابتني بالدوار وجعلتني أفكر في الحب؟ ربما لأنها في الحب جريئة، متفتحة ومتسامحة. فهي أول مدينة مسلمة زرتها لا تكفر الحب، بل تشعر بأنها ترعاه وتتبناه. فهي مدينة لا تحاكم مراهقين بسبب قبلة بريئة وتنعتهما بقلة الأدب والإباحية. وهي مدينة لا تتلصص ولا تتجسس على المحبين.

ففي المترو، أو على ضفاف البوسفور، أو في شارع الاستقلال، أو في الأتوبيس، أو في قنطرة جالاتا، أو في ساحة تقسيم ستندهش بقبلات مسروقة ببساطة بين المحبين، بدون ذنب أو خجل أو خوف من فضيحة، وستفكر بحنان في تشابك الأيادي بين الجنسين بثقة وقوة وكأنهما يمثلان فريقا واحدا متماسكا، وستحن لتعبيرات المحبين الجسدية وأنت ترى الرجل يعبث في شعر أنثاه والمرأة تعبث بأزرار قميصه أو جيب سرواله وكأن عاطفتهما تشبه شلالا يحتاج إلى مجرى ليتدفق.

وستنعشك ضحكات المحبين الصادقة واهتمامهما ببعضهما وتمازحهما مع بعضهما في الحدائق والساحات والمراكز التجارية. وستفهم كم هو جميل الحب كعاطفة عندما لا يتم تحريمه وتجريمه وتحقيره من المجتمع! وكم هو جميل الحب عندما يتصرف المحبون بصدق وعفوية وبدون ابتذال! وستصرخ ببساطة كم هو جميل الحب في إسطنبول!

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *